الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
426
تفسير روح البيان
تعالى إلى جوار رحمته وكان فرعون قد تزوج امرأة من أجمل نساء بني إسرائيل يقال لها آسية بنت مزاحم فرأت ما صنع فرعون بالماشطة فقالت في نفسها كيف يسعني ان اصبر على ما يفعل فرعون وانا مسلمة وهو كافر فبينما هي تؤامر نفسها إذ دخل عليها فرعون فجلس قريبا منها فقالت يا فرعون أنت شر الخلق وأخبثهم عمدت إلى الماشطة فقتلتها قال فلعلك بك الجنون الذي كان بها قالت ما بي من جنون وانما المجنون من يكفر باللّه الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما وحده لا شريك له وهو على كل شئ قدير فمدها بين أربعة أوتاد يعذبها ففتح اللّه لها بابا إلى الجنة ليهون عليها ما يصنع بها فرعون فعند ذلك قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجنى من فرعون وعمله فقبض اللّه روحها وأسكنها الجنة العالية وقد سبق طرف من هذه القصة في آخر سورة التحريم فارجع ثم في عاد إشارة إلى الطبيعة البشرية وفي ثمود إلى القوة الشهوية وفي فرعون إلى القوة الغضبية فلا بد للسالك من تزكيتها وإزالة آثارها الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ صفة للمذكورين من الطوائف الثلاث فيكون مجرور المحل لكون بعض المذكورين قبله مجرورا بالباء وبعضها معطوفا عليه وهو أحسن بحسب اللفظ إذ لا حذف فيه واختار صاحب الكشاف كونه منصوبا على الذم بتقدير اعني لكونه صريحا في الذم والمقام مقام الذم وهو أحسن نظرا إلى المعنى والمعنى طغى كل طائفة منهم في بلادهم وتجاوزوا الحد يعنى طغى عاد في اليمن وثمود بأرض الشام والقبط بمصر كما أن نمرود طغى بالسواد وقس على هذا سائرهم فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ اى بالكفر وسائر المعاصي فان الفساد يتناول جميع اقسام الإثم كما أن الصلاح يتناول جميع اقسام البر فمن عمل بغير امر اللّه وحكم في عباده بالظلم فهو مفسد متجاوز عن الحد الذي حد له وفيه خوف شديد لأكثر حكام الزمان ونحوهم فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ صب الماء اراقته من أعلى اى انزل انزالا شديدا على كل طائفة من أولئك الطوائف عقيب ما فعلت من الطغيان والفساد سَوْطَ عَذابٍ السوط الجلد المضفور اى المنسوج المفتول الذي يضرب به اى عذابا شديدا لا تدرك غايته وهو عبارة عما حل بكل منهم من فنون العذاب التي شرحت في سائر السور الكريمة وهي الريح لعاد والصيحة لثمود والغرق للقبط وتسميته سوطا للإشارة إلى أن ذلك بالنسبة إلى ما أعد لهم في الآخرة بمنزلة السوط عند السيف قال أبو حيان استعير السوط للعذاب لأنه يقتضى من التكرار والترداد ما لا يقتضيه السيف ولا غيره ( وقال الكاشفي ) چون عرب ضرب تازيانه را سختترين عذابها مىدانستند . يعنى ان السوط عندهم غاية العذاب . هر كونه از عذاب را نيز سوط ميكفتند حق سبحانه بقانون كلام ايشان عذابهاى خود را سوط كفت قال الشاعر ألم تر ان اللّه اظهر دينه * وصب على الكفار سوط عذاب والتعبير عن انزاله بالصب للايذان بكثرته واستمراره وتتابعه فإنه عبارة عن إراقة شئ مائع أو جار مجراه في السيلان كالرمل والحبوب وافراغه بشدة وكثرة واستمرار ونسبته